..الفوضى قادمة..إحتجاجات.. فيدراليات حديثة.. حروب طائفية

منذ أواخر عام 2010 ومطلع 2011 اندلعت موجة عارمة من الاحتجاجات" الثورات " في مُختلف أنحاء الوطن العربي. ومن أسباب هذه الاحتجاجات المفاجئة انتشار الفساد والركود الاقتصاديّ وسوء الأحوال المَعيشية، إضافة إلى التضييق السياسيّ وسوء الأوضاع عموما في البلاد العربية.
 وبما أن الثورات لا تتناسل عن بعضها، وبما أن لكل ثورة سياقها وأزماتها، وبالتالي روايتها الخاصة، فإن مرآة المستقبل العربي قد تعكس صورا شتى تقع بين ثورات ناجحة وناضجة، وأخرى تنتظر بلوغ التاريخ منعطفا آخر.
وهكذا عندما تنفجر الثورات هنا أو هناك، مطالبة بالتغيير ولا تحمل معها مشروعا متكاملا لنظام بديل متفق عليه، فإن الفترة الطبيعية والضرورية للتوصل إلى هذا البديل قد تشكل المنافذ المفتوحة للاستهدافات والمؤامرات، وفي مقدمتها الحروب الأهلية والشرذمة والتقسيم.
وإذا كان البعض يعتقد بأن هذه الثورات العربية هي "صناعة أميركية" مبرمجة، فإنني لا أميل إلى هذه الفكرة الخيالية لأنها تهين إرادة من صنعها وفجرها، وتقلّل من شأن الأبطال والشهداء الذين ضحوا بحياتهم من أجل قهر الجوع والاستبداد السياسي، لكنني أميل بقوة إلى أن الأميركيين قاموا بـ"هندسة الفوضى الخلاقة" في الإعلام الجديد، واستثمروا أدواته التكنولوجية لتحريض الشعوب، وأسسوا غرف عمليات خلفية لإدارة هذه الفوضى بجيوش من التقنيين والإعلاميين وخبراء علم النفس والاجتماع والإعلام، لتكريس "نظرية الفوضى الخلاقة" لأهداف معروفة.
أراد الأميركيون استباق الأحداث فشجعوا الانتفاضات ولم يقفوا في مواجهتها بل أمسكوا بزمامها وعملوا على تمكين الجماعات الإسلامية لتتولى السلطة، فالإدارة الأميركية لا تمانع ممارسة الديمقراطية بشرط أن لا تؤدي إلى الإضرار بمصالحها، وهي تعمل على امتصاص النخب في إطار قواعد لا تغير المسار الإستراتيجي لسياستها.
هكذا دفعت أميركا جماعة الإخوان المسلمين لتتولى السلطة في معظم الدول، وهي تعرف أن المشروع الإسلامي في بعده الإجرائي يتقدّم ويتراجع في نفس الوقت. فهو يتقدم بالنظر إلى معطيات عديدة: الصحوة الإسلامية تتوسع باستمرار، والخطاب الإسلامي أصبح سائدا في مجمل الوسائل الإعلامية، والإسلاميون يتقدمون في اتجاه السلطة بشكل أو بآخر في أغلب المناطق التي يوجدون فيها. لكن المشروع الإسلامي يتراجع في مستويات عديدة أيضا: في مبادئه وأسسه، في قيمه وأهدافه، وفي مقوّماته وأبعاده. وهو يتراجع أيضا بالنظر إلى نفس المجالات التي يبدو أنّه قد حقق فيها تقدّما في الصحوة السطحيّة، وفي فوضى الخطاب، وفي فهم السلطة ووظيفتها، وفي خفوت جاذبيّته، وفي مأزق البحث عن المدخل المناسب لقضايا الناس ووسائل حفظها ورعايتها.
ومثلما تصدّرت الجماعات الإسلامية المشهد السياسي العربي لأهداف مقصودة، فإنها على مدى السنوات المقبلة ستشهد سقوطها النهائي من خلال تشويه سمعتها وكشف عيوبها وتجربتها وفضح ممارساتها وتدميرها شعبيا! والأهم أن الخمس السنوات القادمة هي سنوات الفوضى في الوطن العربي: ثورات ربيعية جديدة، وفيدراليات مبتكرة وأقاليم جديدة، وحروب طائفية وقبلية ومطالبات فئوية ومظاهرات يومية وأنباء عاجلة لا تتوقف وقتلى في شوارع المدن العربية وثورات رقمية تساعد على اقتلاع جذور النظم وأحلامها وأعاصير رقمية للفوضى الخلاقة. وبات واضحا بشكل مطلق، على الأقل، بأن جزءا من النخبة السياسية للولايات المتحدة يسعى إلى دفع الشرق الأوسط إلى السقوط في حرب واسعة النطاق طويلة الأمد، مع فوضى خلاقة مبرمجة، في زمن الأزمة الاقتصادية العالمية.
عبدو المسعودي

إلى الملتقى بإذنه تعالى مع قضية أخرى.


Reactions:

1 comments :

  1. من الطبيعي ان تكون الدول العربية التي حكمها العسكر من خلال الانفلابات هي الاكثر فسادا ، لان النتيجة الحتمية لحكم العسكر هي الظلم ثم الفساد.

    RépondreSupprimer

التعليق على هذا المقال