صراع جبابرة الرأسمالية الدولية على أرضنا

على القارئ الموضوعي لهذه المرحلة الصعبة المعقدة أن يجد تفسيراً موحداً ومتماسكاً لكل هذه الظواهر إذ لا يعقل أن يكون هناك عدة صراعات متوازية في قلب الصراع الدموي الجاري أمام أعيننا. لا يمكن أن يتصارع جبابرة الرأسمالية الدولية على أرضنا على ضفاف صراع آخر يجري بين الجماعات بشكل مستقل. علينا أن نجد الخيط الذي يوحد ما بين الوجهين فهما حتماً وجهان لمعركة واحدة. لا يعقل أن يكون الصراع في مصر مثلا بين تيار علماني وتيار ديني متزمت بينما يقف الخارج الذي يده ‘في الخرج’ منذ زمن بعيد في صف الإخوان فيه.
لا يعقل أن يكون الصراع في مصر داخلياً بحتاً ومنفصلاً عن الصراع في سوريا واليمن وتركيا وأيران وليبيا والعراق. لا يعقل أن يكون موضوعه الدستور وكيفية كتابته في وقت تتحدث الأنباء في العالم عن خرائط جديدة لحدود الدول العربية تتناسب والمعطيات النفطو-غرافية الجديدة في المنطقة وموازين القوى العالمية المتحولة. وكما لا يعقل أن يكون الشيعي مستبداً والسني ديمقراطياً أو العكس. كذلك لا يمكن الأميركي أن يكون منخرطاً في صراع داحس والغبراء بدون ناقة له فيه ولا جمل.
أن نكون طائفيين وعشائريين وقبائليين مسألة محسومة وأن تكون أشكال صراعاتنا حتى الآن محكومة بأشكال صراعات هذه الأنماط الإجتماعية مسألة صارت مفهومة لكن اعتبار صراعها فيما بينها هو الصراع اليوم فمسألة فيها نظر.
لقد صار من الواجب علينا أن نجد قراءة توحد ما بين عناصر الصورة لكي تحدد الخيط الرئيس فيه. فليس من العقل في شيء أن نقبض كل ما يقال لنا هنا وهناك. والمؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين مبدئياً. ففي تاريخنا الحديث شهدنا، نحن العرب، صراعاً مشابهاً وعدتنا خلاله القوى العظمى بدولة عربية كبرى فصدق شريفنا وقادنا الى الهاوية التي نعرف. افتتحت الحرب هذه المرة بمعركة عنوانها إسقاط الإستبداد ثم أخذت تدريجاً تتحول الى عناوين أخرى تهدم ما لدينا من مؤسسات وبنى وتهددنا بتقسيم ما كان قد جرى تقسيمه سابقاً وعديناه ‘نهائيا’.

إذا صح ما نقول من أن عالمنا العربي مربوط منذ زمن طويل بمصالح واستراتيجيات القوى العظمى المسيطرة على عالم اليوم فإن بناه الإجتماعية المحلية الصامدة لم تعد مستقلة بل تعمل حكماً وفق هوى هذه القوى وتحولات أهدافها. وبما أن الديمقراطية، كما توضح، لم تعد هي فعلا الهدف الحقيقي اليوم فعلى النخب العربية أن تحدد طبيعة ما يجري وأن تقف حيث مصالح شعوبها اليوم بدل أن تواصل التخبط في معارك دونكيشوتية لا تبقي ولا تذر.
قيل للعرب ان الديمقراطية جنة دافئة وبما أنهم يعيشون في بلاد حارة فقد انحازوا الى طوائفهم الباردة التي يعرفون.
 
 عناية جابر

إلى الملتقى بإذنه تعالى مع قضية أخرى.

Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال