صفحات من تاريخ المقاوم محمد بن عبد الكريم الخطابي

استراتيجية محكمة لمعركة أنوال:
تذكر المصادر التاريخية أن قوام الجيش الإسباني بقيادة سلفستر في معركة أنوال بلغ 24 ألف جندي استطاع أن يصل بهم إلى جبل وعران قرب أغدير مسقط رأس الأمير، وعندها قام الخطابي بهجوم معاكس في (25 شوال 1339ه = فاتح يوليوز 1921م) استطاع خلاله أن يخرج الأسبان من أنوال، وأن يطاردهم حتى لم يبق لهم سوى مدينة مليلية.
وكانت خطة هجومه في أنوال أن يهاجم الريفيون الإسبان في وقت واحد في جميع المواقع؛ بحيث يصعب عليهم إغاثة بعضهم البعض، كما وزع عددا كبيرا من رجاله في أماكن يمكنهم من خلالها اصطياد الجنود الفارين، فأبيد معظم الجيش الأسباني بما فيهم سلفستر، واعترف الأسبان أنهم خسروا في تلك المعركة 15 ألف قتيل و570 أسيرا، واستولى المغاربة على 130 موقعا من المواقع التي احتلها الأسبان، وحوالي 30 ألف بندقية، و129 مدفعَ ميدان، و392 مدفعا رشاشا.
ويعزو الإسبان وقوع هذه الهزيمة إلى طبيعة البلاد الصعبة، والفساد الذي كان منتشرا في صفوف جيشهم وإدارتهم، وفي إقامة مراكز عديدة دون الاهتمام بتحصينها تحصينا قويًّا، كما أن تعبيد الطرق التي تربط بين هذه المراكز كان خطأ كبيرًا من الناحية العسكرية، ويعترف التقرير بأنه لم يكن أمام المراكشيين إلا أن يلتقطوا الأسلحة التي تركها الجنود الفارون، وكشف التقرير حالات بيع بعض الضباط لأسلحة الجيش.
وبعد الانتصار العظيم الذي حققه الخطابي في أنوال ذاعت شهرته في بلاد الريف، وأدرك الإسبان عجزهم الكامل عن مقاومة الريف الناشئة، وازداد قلق إسبانيا داخليا وخارجيا، فارتفعت القوات الإسبانية في شمال المغرب بعد شهور من هزيمة أنوال إلى 150 ألف مقاتل، وعرضت مدريد على الخطابي الاعتراف باستقلال الريف بشرط أن يكون استقلالا ذاتيا خاضعا للاتفاقات الدولية التي أخضعت المغرب للنظام الاستعماري، فرفض الأمير الاستقلال تحت السيادة الإسبانية.
وقوبلت هذه النتيجة بدهشة كبيرة من الدوائر الاستعمارية التي لم تكن مطمئنة لحركة الخطابي، وعلى رأسها فرنسا التي كانت تتوقع أن يتمكن الإسبان يوما ما من القضاء على هذه الحركة.
أما الخطابي فكان يحرض على تجنب الاصطدام بالفرنسيين حتى لا يفتح على نفسه جبهتين للقتال في وقت واحد، إلا أن الأوضاع بين الاثنين كانت تنذر بوقوع اشتباكات قريبة، خاصة مع عدم الاعتراف الخطابي بالحماية الفرنسية.
وباتحاد الدولتين الاستعماريتين خسر الخطابي حوالي 20 ألف شهيد، وبقي بجانبه حوالي 60 ألف مقاتل، وفكر الرجل أن يخوض بنفسه معارك فدائية؛ دفاعا عن أرضه ودينه، إلا أن رفاقه منعوه ونصحوه بالتفاوض، فقرر أن يحصل لبلاده ونفسه على أفضل الشروط، وألا يكون استسلامه ركوعا أو ذلا.
وظل يراقب جهاد المغاربة ضد الاحتلال الفرنسي حتى تحقق الاستقلال، وتوفي رحمه الله بمصر ودفن في مقبرة الشهداء بالعباسية في القاهرة، (1382ه = 1963م)...
وأهمية ذلك أخذ الدروس والعبرمن تاريخ المقاومة.
إلى الملتقى بإذنه تعالى مع قضية أخرى.
عبدو المسعودي
المراجع:
- كتاب عبد الكريم الخطابي لمحمد أمزيان.
-
كتاب حوار الماضي والمستقبل لعبد السلام ياسين.
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال